حث على هامش قانون الإجراءات الجنائية

حث على هامش قانون الإجراءات الجنائية

حث على هامش قانون الإجراءات الجنائية

في 15 من أكتوبر سنة 1951 نشر القانون رقم (150) لسنة 1950 بإصدار قانون الإجراءات الجنائية ونص في مادته الأولى على إلغاء قانون تحقيق الجنايات المعمول به أمام المحاكم الوطنية، والقانون رقم (4) لسنة 1905 بتشكيل محاكم الجنايات، والقانون رقم (19) لسنة 1941 الخاص بالأوامر الجنائية، والمرسوم بقانون (41) لسنة 1931 بشأن إعادة الاعتبار والمرسوم بقانون الصادر في 9 فبراير سنة 1926 يجعل بعض الجنايات جنحًا إذا اقترنت بأعذار قانونية أو ظروف مخففة على أن يُستعاض عن هذه القوانين جميعًا بقانون الإجراءات الجنائية المرافق ونص في مادته الثانية على أنه يعمل به بعد ثلاثين يومًا من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية أي اعتبارًا من يوم 15 نوفمبر 1951، ولم يتضمن قانون الإصدار ولا قانون الإجراءات الجنائية أية أحكام وقتية تنظم كيفيه العمل بالقانون الجديد ولا وسيلة الانتقال من عهد كانت القوانين الملغاة هي التي تنظم أحكامه بمعنى أن كل ما تم في ظلها تم صحيحًا مطابقًا للأوضاع القانونية السليمة إلى العهد الجديد الذي يجب أن يعمل فيه بقانون جديد استحدث بعض الأحكام وعدل أو غير في الأحكام الأخرى ففصل بين سلطتي التحقيق والاتهام في الجنايات وجعل الأولى في يد قاضي التحقيق وحده وخص النيابة العامة بالثانية إلى غير ذلك من نظم وأحكام قصد بها استكمال النقص الذي بان في القوانين الملغاة ومسايرة التشريعات الحديثة بما يحقق ضمان احترام الحريات وحقوق الإنسان ويوجب العمل على ألا يفلت الأثيم من العقاب وأن ينال العابث بأمن المجتمع وطمأنينيته الجزاء الحق على ما قارف من جرائم وما ارتكب من آثام وكان الأوفق بالمشروع المصري أن يضمن قانون الإصدار أو قانون الإجراءات الجنائية بعض الأحكام الوقتية التي تنظم وسيلة الانتقال أخذًا بما أتبعه في القانون رقم (77) لسنة 1949 بإصدار قانون المرافعات المدنية والتجارية وقانون المرافعات المدنية والتجارية ذاته في باب الأحكام العامة حيث وردت في هذين القانونين أحكام وقتية دقيقة نظمت وسيلة سريان قانون المرافعات المدنية والتجارية على الدعاوى أو الإجراءات التي لم تكن قد تمت قبل العمل به أما وقد أغفل المشرع بيان هذه الأحكام فقد ترتب على ذلك اختلاف وجهات النظر في كيفية التصرف في القضايا الباقية أو كيفية الأخذ بالأحكام المستحدثة أو المعدلة أو المغيرة بالنسبة لمختلف الأوضاع والإجراءات التي سارت في طريقها ولم تصل إلى النهاية بعد وهو خلاف لا شك جوهري ينشأ عنه في غالب الأحيان البطلان المطلق أو النسي وخاصةً إذا روعي أن غالبية الجنايات الواقعة في خلال سنة 1951 لم يتم التصرف فيها وأن في بعضها متهمون محبوسون في ظل أحكام القانون الملغى ومن الضروري أني يتم التصرف فيها وأن يمتد حبس المتهمين أو يخلى سبيلهم إلى غير ذلك من أمور خطيرة يتعين الفصل فيها سريعًا وكان النائب العام أسبق من فكر في وضع تعليمات وإصدار منشورات أو كتب دورية لوكلائه لتنظيم العمل بالقانون الجديد والذي استبان لنا من مراجعتها أنها لم تحسم الجدل الفقهي الذي يمكن أن ينشأ عن تنفيذ هذا القانون ولم تجلِ ما غمض في نصوصه فاكتفت بسرد مواد القانون المتصلة بالنيابة مع قليل من التعليقات المشوبة بالكثير من المجافاة لروح القانون ونصوصه والرغبة في بسط سلطان النيابة العامة بما لا يتفق وهذه الروح فأحدث هذا تباعدًا بين وجهات النظر المختلفة حملنا وقد حملنا أمانة التحقيق وسهت الهيئة القضائية بوزارة العدل عن سن تعليمات تنير الطريق أمام عملائها من رجال القضاء والنيابة والمحاماة أن تبحث الأمر في تعمق، وأن تنشر على الملأ نتيجة ما وصل إليه بحثنا خاصًا بكيفية تنظيم فترة الانتقال وبشرح طريقة تنفيذ الأحكام الغامضة بالقانون على أن يقتصر بحثنا على التطبيقات العملية دون غيرها وخاصة الحالات التي غفل عنها من سبقنا من المؤلفين في شرح قانون الإجراءات الجنائية ولكي يكون بحثنا منتجًا رأينا أن نبدأ بوضع القواعد العامة ثم نرتب عليها ما يمكن استنتاجه منها.
والقاعدة الأساسية التي تنظم كيفية تنفيذ القوانين الجديدة هي معرفة مدى سريان هذه القوانين على الماضي وهل تسري على الوقائع والإجراءات التي حدثت قبل تنفيذها من عدمه والإجماع أن القوانين الموضوعية - كقانون العقوبات - لا تسري على الماضي وأنها تنفذ فقط بالنسبة للوقائع التي تحدث بعد العمل بها إلا في بعض حالات نادرة نص عليها كما جاء في المادة الخامسة من قانون العقوبات المصري، أما بالنسبة لقوانين الإجراءات والتنظيم القضائي والقوانين الشكلية فالأصل الذي أجمع عليه الفقهاء والشراح أنها تسري على الماضي بمعنى أنها تطبق مباشرةً من يوم نفاذها على جميع التحقيقات أو الدعاوى التي لم يفصل فيها بعد والتي تتعلق بوقائع سابقة على تاريخ صدور هذه القوانين، وقد أخذ المشروع المصري بمقتضيات هذه القاعدة في الأمر العالي الصادر بتنفيذ أحكام قانون تحقيق الجنايات الملغى حيث جاء في المادة الثانية من هذا الأمر أنه (يعمل بالقواعد المختصة بالإجراءات المنصوص عليها في القانون الجديد في جميع التحقيقات التي لم تكن تمت إلى يوم وجوب العمل بهذا القانون وفي كل دعوى تكون منظورة أمام أي محكمة بعد هذا التاريخ ابتدائية أو استئنافية وكل حكم يصدر بعد التاريخ المذكور من أية محكمة ينفذ طبقًا لأحكام القانون الجديد....)، ويبدو أن المشرع المصري لم يرَ أخيرًا ما يدعو للنص على هذه القاعدة في قانون الإجراءات الجنائية الجديد باعتبار أنها قاعدة أساسية مسلم بها ولا حاجة للنص عليها وعلة هذه القاعدة هي أن قوانين الإجراءات الجنائية إنما يقصد بها تنظيم التقاضي بطريقة تكفل إظهار الحقيقة وتحقيق العدالة وأنها والحالة هكذا لا تقرر كقاعدة عامة حقوق مكتسبة للأفراد حتى يمكن أن يقال بأن إلغاء مثل هذه القوانين أو تعديلها قد يترتب عليه إخلال بهذه الحقوق فليس المتهم إذن أن يدعي أن له حقًا مكتسبًا في التمسك بالإجراءات المقررة لمصلحته في التشريع المعاصر لموضوع الجريمة لأن حقه ينحصر في تمكينه من الدفاع عن نفسه وإثبات براءته وللمشرع وحده الحق في تعيين السلطات التي يبدي أمامها وسائل دفاعه وبيان الوسيلة التي تتبع للوصول إلى هذا الغرض.
ولا نزاع في تطبيق هذه القاعدة فيما يتعلق بالقوانين الشكلية المحصنة أي التي تنظم الإجراءات في التحقيق والمحاكمة والتنفيذ حيث يجب تطبيقها من وقت نفاذها على كافة الدعاوى القائمة أو التي تقام فيها بعد ولو كانت متعلقة بوقائع حدثت قبل العمل بالقانون الجديد وهذا ما أخذ به المشرع المصري صراحةً بالنسبة لقانون تحقيق الجنايات الملغى، وكذلك بالنسبة للقوانين المتعلقة بالترتيب والاختصاص - عدا القوانين المعدلة للاختصاص - بمعنى أن القوانين المتعلقة بكيفية تشكيل المحاكم وترتيبها أو القوانين المتصلة بإلغاء بعض جهات القضاة تسري من يوم نفاذها، أما فيما يختص بالقوانين المعدلة للاختصاص أي الناقلة له من محكمة إلى أخرى دون إلغاء المحكمة الأولى فقد اختلفت الآراء في مدى سريانها على الماضي فقال بعض الشراح أن القوانين المعدلة للاختصاص تسري دائمًا على الماضي وأن القضايا الجنائية يجب أن تنظر أو يستمر في نظرها أمام المحكمة المختصة طبقًا للقانون الجديد وقال البعض إنها لا تسري على الماضي لأن للمتهم الحق في أن يحاكم أمام قضاته الطبيعيين الذين كانوا يعملون وقت ارتكاب الجريمة وقال فريق ثالث إن الاختصاص يكون للمحكمة الأصلية إذا ما رفعت الدعوى إليها قبل صدور القانون المعدل للاختصاص (تراجع المادة (54) من قانون تشكيل محاكم الجنايات الملغى، والمادة 53/ 1، 2 من القانون رقم 49/ 1937 الخاص بلائحة التنظيم القضائي للمحاكم المختلطة)، ورأى الفريق الرابع أنها تسري من وقت نفاذها على الجرائم التي سبق رفع الدعوى من أجلها ما دام أنه لم يصدر في موضوع هذه الدعوى حكم غير نهائي حتى لا تضر قاعدة الرجعية بالحقوق المكتسبة وأوضحوا رأيهم بأنه في إلزام المتهم المحكوم ببراءته بحكم مستأنف بأن يحاكم من جديد أمام محكمة أخرى قد تصدر حكمًا بإدانته وفي حرمان المتهم المحكوم عليه بالعقوبة في أول درجة والذي رفع استئنافًا عن الحكم من حقه في الدفاع عن نفسه أمام المحكمة المختصة في وقت الاستئناف رجوعًا إلى الماضي لتغيير ما تم فيه إضرار بالحقوق المكتسبة والذي يبدو لنا من تمحيص هذه الآراء واستقراء أسانيدها ضعف أسانيد أصحاب الرأي الثاني والثالث فلا معنى للقول بضرورة محاكمة المتهم أمام قضاته الطبيعيين وهم الذين كانوا يعملون في وقت ارتكاب الجريمة لذات الأسباب المبررة للقاعدة العامة ولا محل أيضًا لتحديد اختصاص المحكمة الأولى برفع الدعوى إليها لأن المشرع وقد رأى نظر مثل هذه الدعوى أمام الجهة الجديدة لا بد أنه قدر كل الظروف المحيطة بها بما فيه صالح المتهم والمجتمع معًا وخاصةً وأن المفروض أن القانون الجديد يفوق سابقه في تحديد جهة الاختصاص التي تتوفر معها خير الظروف لإظهار الحقيقة وتحقيق العدالة ومما يؤكد هذا الرأي أن المشرع ذاته لم يشأ الأخذ بهذه النظرية فأغفل إيراد نص يطابق نص المادة (54) من قانون تشكيل محاكم الجنايات الملغى كما لم يأتِ بنص كنص المادة 53/ 1، 2 من القانون (49) لسنة 1937 الخاص للائحة التنظيم القضائي أمام المحاكم المختلطة عند ما سن القانون (147) لسنة 1949 بإصدار قانون نظام القضاء والذي حل محل لائحة التنظيم أمام المحاكم المختلطة ولائحة ترتيب المحاكم الأهلية الأمر الذي يدل دلالة قاطعة على أنه أراد الرجوع إلى القاعدة العامة قاعدة سريان قوانين الإجراءات على الماضي، والرأي الرابع مرفوض أيضًا لذات الأسباب المؤدية إلى رفض الرأي الثالث ولأنه إذا ما صدر حكم ببراءة متهم واستأنف هذا الحكم قبل صدور القانون الجديد فالمفروض أن الدعوى المستأنفة تنظر أمام الجهة المختصة بنظر الاستئناف في قانون الجديد بمعنى أن الذي ينقل إلى الجهة المختصة حديثًا هو الدعوى المستأنفة أما الدعوى الابتدائية فقد انتهى الفصل فيها فإذا منع القانون الجديد استئناف مثل هذه الدعوى فالمتهم المحكوم ببراءته يستفيد من ذلك ويصبح الحكم انتهائيًا بالنسبة له يبقى إذن الرأي الأول وهو القائل بسريان القوانين المعدلة للاختصاص على الماضي أي على الدعاوى المتعلقة بوقائع حدثت قبل صدورها وهو ما نرى الأخذ به، عملاً بقاعدة سريان قوانين الإجراءات بكافة أنواعها مباشرة من يوم نفاذها.
كذلك القوانين المتعلقة بالتقادم فقد اختلفت الآراء بشأنها أيضا فقال فريق بالعمل بالقانونين معًا بأن يحذف من المدة المسقطة للدعوى أو العقوبة بحسب القانون الجديد ما انقضى منها بحسب القانون القديم، وقال الفريق الثاني ينطبق القانون الأصلح للمتهم سواء أكان القانون القديم أو الجديد، وقال الفريق الثالث ينطبق القانون المعاصر لوقت ارتكاب الجريمة أو صدور الحكم أما الفريق الرابع - ورأيه هو الصحيح في نظرنا - فيرى أن القانون المعدل لمدة التقادم أو لشروطه واجب التطبيق من وقت صدوره على الجرائم السابق ارتكابها والعقوبات السابق الحكم بها ما دام أن الجريمة أو العقوبة لم تسقط بعد بمضي المدة وذلك لأن التقادم يلاحظ فيه مصلحة الهيئة الاجتماعية لا الجاني ولأن المفروض أن القانون الجديد أوفق لمصلحة الجماعة من القانون الملغى ولأن فرار الجاني من إجراءات التحقيق أو تنفيذ العقوبة إلى وقت صدور القانون الجديد لا يكسبه حق الفرار إلى الأبد وخاصةً وأن فعلة المتهم هذه تناقض مصلحة الجماعة كما أنه ليس للنيابة أن تتظلم من إنقاص مدة التقادم مثلاً لأنها إنما تمثل الجماعة أو المجتمع الذي عدلت لمصلحته هذه المدة ومما يؤيد هذا الرأي ويدعو إلى القول بأن المشرع المصري أخذ به في التشريع الحديث القانون رقم (178) سنة 1951 بإضافة بعض أحكام إلى القانون رقم (150) لسنة 1950 بإصدار قانون الإجراءات الجنائية حيث نص في المادة الأولى من هذا القانون على أن يُضاف إلى المادة الأولى من قانون الإجراءات الجنائية الفقرتان الآتي نصهما (ولا تبدأ المدة المشار إليهما في الفقرة الأخيرة من المادة (17) من قانون الإجراءات الجنائية بالنسبة للجرائم التي وقعت قبل تاريخ العمل به إلا من هذا التاريخ ويستمر..... إلخ).
فإذا لوحظ أن المادة السابعة عشرة المشار إليها واردة في باب انقضاء الدعوى الجنائية وبعد أن نص المشرع في المادة (15) على انقضائها بمضي عشر سنين من يوم وقوع الجريمة في الجنايات وثلاث سنين في مواد الجنح وسنة في مواد المخالفات ما لم ينص القانون على خلاف ذلك وأن المشرع بين في صدرها الإجراءات المؤدية لانقطاع مدة التقادم ثم أشار لسريان المدة من جديد من وقت اتخاذ الإجراء المؤدي له ثم نص في فقرتها الأخيرة على أنه لا يجوز في أية حال أن تطول المدة المقررة لانقضاء الدعوى الجنائية بسبب الانقطاع لأكثر من نصفها، وإذا جاء المشرع بعد ذلك وقال بأن نصف المدة الذي يبدأ من وقت الانقطاع لا يحتسب بالنسبة للجرائم التي وقعت قبل تاريخ العمل بقانون الإجراءات الجديد إلا من يوم العمل بهذا القانون اعتبارًا من 15 نوفمبر سنة 1951 فمعنى ذلك أنه مسلم بسريان مدد التقادم على الماضي وأنه جاء بهذا النص الوارد في القانون 178/ 1951 استثناءً.
بقي بعد ذلك القوانين الخاصة بطرق الطعن في الأحكام ومواعيدها ولا خلاف بالنسبة للقوانين التي تنشئ طريقًا جديدًا للطعن أو تمد في ميعاد طريق طعن قديم فالإجماع على أنها تسري على الحوادث والأحكام السابقة على ميعاد تنفيذها إذا لم يكن مضى عند التنفيذ ميعاد الطعن المحدد بها بمعنى أنها تسري على الماضي - أما القوانين الملغية لطريق من طرق الطعن أو المعدلة لميعاده بالتقصير فالقاعدة بالنسبة لها أنها تسري من يوم نفادها على الأحكام الصادرة في هذا اليوم وما بعده أما الحكام الصادرة قبل يوم تنفيذها فقابلة للطعن بالطريق الملغى أو في الميعاد المعدل بالتقصير ما دام أنه لم ينقضِ بعد موعد الطعن المحدد في القانون القديم عند صدور القانون الجديد حتى لا يضار المتهم الذي اكتسب حق الطعن في الحكم الصادر ضده بطريق معين أو في موعد أطول ولا يمكن لمن صدر عليه حكم بعد موعد تنفيذ القانون الجديد الاحتجاج بأن له صالح في تطبيق القانون القديم عليه لأن المعتبر في هذه الحالة هو القانون المطبق وقت صدور الحكم وهو القانون الذي كان تحت بصر القاضي عندئذ والمكلف بأعمال نصوصه.
هذه هي القاعدة أو القواعد التي تحكم مدى سريان قوانين الإجراءات الجنائية على الماضي وكيفية تطبيقها والانتقال بها من عهد إلى عهد فصلناها في إيجاز في صدر أبحاثنا لتكون في متناول القارئ فيسهل عليه استيعاب ما سترتبه عليها من نتائج ولكي نقدم للباحث صورة تطبيقية واضحة للقانون رأينا أن نرتب أبحاثنا وفق الترتيب والتبويب الذي سار عليه المشرع في بيان مواد القانون وأحكامه.

المبحث الأول: فيمن له حق رفع الدعوى الجنائية

بين القانون في المواد من (1) إلى (13) من له حق رفع الدعوى الجنائية والأحوال التي تتوقف فيها رفعها على شكوى أو طلب وحق محكمة الجنايات أو النقض في إقامتها فحص النيابة العامة أصلا برفع الدعوى الجنائية ومباشرتها وقيد هذا الحق بوجوب تقديم شكوى شفوية أو كتابية من المجني عليه أو وكيله الخاص إليها أو إلى أحد مأموري الضبطية القضائية في الجرائم المنصوص عليها في المواد (185) و(274) و(277) و(279) و(292) و(293) و(303) و(306) و(307) و(308) من قانون العقوبات - وفي الأحوال الأخرى التي ينص عليها القانون - كما نص في المادة الثامنة من القانون على أنه لا يجوز رفع الدعوى أو اتخاذ إجراءات فيها إلا بناءً على طلب كتابي من وزير العدل في الجرائم المنصوص عليها في المادتين (181) و(182) من قانون العقوبات وفي الأحوال الأخرى التي ينص عليها القانون وأوجب في المادة التاسعة منه تقديم طلب كتابي من الهيئة أو رئيس المصلحة المجني عليها في الجرائم المنصوص عليها في المادة (184) من قانون العقوبات وأول ما يلاحظ أن الجرائم المنصوص عليها في المواد المشار إليها آنفا أما أنها تتصل اتصالاً وثيقًا بشخص المجني عليه أو تمس الهيئة أو المصلحة التي يرأسها أو ممثل إحدى الدول الأجنبية ويكون من الأفضل إذن ترك الأمر للمجني عليه يقدره طبقًا لظروفه وأحواله الخاصة فإن رأي اتخاذ إجراءات في الدعوى تقدم بطلب للنيابة العامة التي لها في هذه الحالة أن تحرك الدعوى وتباشرها وللمجني عليه أن يتنازل عنها في أي وقت وفي أي حالة كانت عليها حتى يصدر حكم نهائي فيها كما أنه لا شك أن رئيس المصلحة هو أقدر من غيره من مرؤوسيه على تقدير ما يمسها وما يعتبر أنه إهانة لها ووزير العدل باعتباره من رجال السلطة التنفيذية أقدر على معرفة الظروف المحيطة بالجرائم المنصوص عليها في المادتين (181) و(182) من قانون العقوبات، وقد أدى هذا إلى زيادة القيود المفروضة على حق النيابة العامة في رفع بعض الدعاوى واتخاذ إجراءات فيها وهي زيادة اقتضتها مراعاة ظروف خاصة أو عامة رأي المشرع مراعاتها فهل تسري هذه القيود المستحدثة من يوم نفاذ قانون الإجراءات الجنائية ولو كانت تتعلق بوقائع سابقة على تاريخ تنفيذه ؟ لا شك أن هذه القيود يجب أن تسري من يوم نفاذ القانون في 15/ 11/ 1951 فيمتنع على النيابة العامة اتخاذ أي إجراء في الدعاوى الخاصة بها أو رفعها إلا بعد استيفاء الشروط المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجنائية الجديد بتقديم طلب من المجني عليه أو رئيس المصلحة أو الهيئة المجني عليها أو زير العدل فإذا كانت قد باشرت هي أو أحد رجال الضبط القضائي التحقيق فيها وجب إيقاف هذا التحقيق حتى تحصل على إذن أو طلب من الجهات المختصة وذلك أخذًا بقاعدة سريان قوانين الإجراءات على الماضي ولأن هذه القيود التي روعي فيها الصالح العام أو الصالح الخاص تتعلق بالتنظيم القضائي المتصل بالنظام العام وليس للنيابة العامة أن تتضرر من هذا لأنها إنما تعمل بتفويض من الجماعة التي رأت فرض هذه القيود على سلطانها وللمجني عليه أن يتقدم بالشكوى أو الطلب في بحر ثلاثة شهود من يوم علمه بالجريمة وبمرتكبها وتبدأ هذه المدة من يوم 15/ 11/ 1951 بالنسبة للوقائع السابقة ولو كان العلم بها قبل هذا التاريخ وذلك بشرط أن لا ينقضي الحق في رفع الدعوى بشأنها قبل الثلاثة شهور أما بالنسبة لوزير العدل أو رئيس المصلحة أو الهيئة فحقهما في طلب رفع الدعوى قائم ما لم تسقط هذه الدعوى بمضي المدة، ويمكن حصر الجرائم الشائعة الوقوع من الأحوال الأخرى التي استلزم القانون فيها بلاغًا أو شكوى أو طلبًا أو إذنًا - وكلها عبارات مترادفة كما جاء بتقرير لجنة الشؤون التشريعية بمجلس الشيوخ عن مشروع قانون الإجراءات الجنائية - فيما يأتي:
أولاً: (الجرائم المنصوص عليها في المادة (312) عقوبات.
ثانيًا: الجرائم المنصوص عليها في المادة (11) من القانون رقم (124) لسنة 1949 الخاص بالأحداث المشردين.
ثالثًا: الجرائم المنصوص عليها في المادة (110) من الدستور التي نصت على أنه لا يجوز في دور الانعقاد وفي غير حالة التلبس بالجناية اتخاذ إجراءات جنائية نحو أي عضو من أعضاء البرلمان ولا القبض عليه إلا بإذن المجلس التابع له.
رابعًا: الجرائم المنصوص عليها في المادة (54) من قانون استقلال القضاء التي نصت بأنه في غير حالات التلبس بالجناية لا يجوز القبض على القاضي وحبسه إلا بعد الحصول على إذن من اللجنة المنصوص عليها في المادة (52) من القانون....إلخ.
خامسًا: جنح الضرائب المنصوص عليها في المادة (85) من القانون رقم (14) لسنة 1939 المعدلة بالقانون رقم (146) سنة 1950 حيث نص فيها على أن يكون رفع الدعوى العمومية في الجرائم المنصوص عليها في هذه المادة بناءً على طلب مصلحة الضرائب التي لها التنازل عنها إذا رأت محلاً لذلك..... إلخ.
سادسًا: الجرائم الجمركية التي تقع من موظفي الجمارك وعماله الواردة في المادة الأولى من القانون رقم (3) لسنة 1903).
أما فيما يختص بحق محكمة الجنايات أو محكمة النقض في إقامة الدعوى الجنائية فالنص على ذلك وارد بالمادة (11) إجراءات بالنسبة لمحكمة الجنايات عند النظر في دعوى معروضة عليها وفي المادة (12) بالنسبة للدائرة الجنائية بمحكمة النقض عند نظر الموضوع بناءً على الطعن في المرة الثانية، وأنه وإن كان الذي يتبادر إلى الذهن لأول وهلة من مراجعة نص المادتين على حق المحكمتين في إقامة الدعوى الجنائية أن لهما الحق في إقامتها مباشرةً فإنه مما لا شك فيه أن حقهما قاصر على تحريك الدعوى وأحالتها إلى الجهة المختصة بالتحقيق أو أن تندب أحد أعضائها للقيام بإجرائه وتسري عليه عندئذ كافة القواعد الخاصة بقاضي التحقيق وللمحقق في الحالين بعد أن يتم تحقيقه أن يتصرف في الدعوى وفقًا لما يسفر عنه التحقيق فإن رأى أن الأدلة غير كافية على الاتهام بالنسبة للمتهمين الجدد كلهم أو بعضهم أو بالنسبة للوقائع الجديدة كلها أو بعضها فله أن يأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى وإن رأى أن الأدلة كافية فله أن يأمر بإرسال الأوراق إلى غرفة الاتهام إن كانت الواقعة جناية أو أن يحيلها على محكمة الجنح إن رأى أن الوقعة جنحة، وهذا الحق المعطى لمحكمتي الجنايات والنقض بالحدود الواردة (11) و(12) من قانون الإجراءات يعبر عنه عادةً بحق التصدي وكان منصوص عليه في قانون تحقيق الجنايات الملغى في المادتين (45) و(62) منه وأقره القانون الجديد مع بيان دقيق لحالاته وشرائطه كما استحدث نصًا جديدًا هو المادة (13) التي أعطت المحكمتين في الحالتين المشار إليهما آنفًا حق إقامة الدعوى الجنائية على أي متهم ولو لم يكن هو المتهم في الدعوى المنظورة أمامها إذا وقعت منه أفعال من شأنها الإخلال بأوامرهما أو بالاحترام الواجب لهما أو التأثير في قضائهما أو في الشهود سواء أكانت هذه الأفعال وقعت منه بالجلسة أم خارجها، وعلى أن يكون ذلك طب�

(5 منشور)

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha